حقيقة مدوية من بيروت

AL-MOHAJER ( THE EMIGRANT )

  



الإنتشار اللبناني







الرجوع





  • سيد شدياق رسام آخر من بشرّي في مدينة ناطحات السحاب


    2014-01-02

    "المقيمون في لبنان لا يعرفون طعم الغربة ولوعة الإبتعاد عن هوا لبنان"


     

    تراه محاطاً بالمتفرجين المذهولين لمهارته وغرابة فنه. يرسم بريشة مغمسة بالشوكولا وبألوان الصبغات الطبيعية، فتشتهي أن تأكل اللوحة بدل أن تعرضها في منزلك. متوسط الطول، أسمر جذاب، لطيف المعشر، عميق الرؤية، لبناني الهوى برغم أنه أسترالي الولادة. لن تقدر الأ أن تتخيله "جبراناً" يعود مرة أخرى في القرن الجديد الى مدينة الباطون ليزرع فيها موهبة يصفق لها متذوقي الفن والرسم الجميل.
    هو ابن بشري التي تطبع محياه وكلامه هذه البلدة الرابضة على أكتاف جبال لبنان الشامخة والمعتزة بفنون أبنائها... وبـ"النبي" جبران.


     
    من هو سيد شدياق؟

    إسمي سيد شدياق،  ولدت في استراليا من أب بشرّاني مزارع وأم عظيمة وسط عائلة مؤلفة من سبعة أولاد. ترعرعنا على مبادئ وعادات بلادنا. نتحدث "اللبناني" كما ولو كنا ولدنا في بشري. عائلتي مهاجرة منذ اوائل القرن الماضي، وموزعة بين استراليا وأميركا. ولو كنا بقينا في لبنان لاستحقَقْنا أن يكون لنا نائب في البرلمان خاص بالعائلة... (ويضحك).

     كم مرة زرت لبنان في حياتك؟

     عندما كنت طفلاً، قرر والدي أن يأخذنا الى لبنان "حتى نكبر في بلادنا". عشنا هناك بضع سنوات تعلمت وأخوتي الستة في مدارس الرهبان في منطقة "الجبَّة". كانت من أجمل أيام حياتي ولو نغّصها وجود الجيش السوري الذي ما زلت أحتفظ بذكريات سيئة عن تعاطيه مع أبناء المنطقة. لكن صورة "الستوف" و"منقل الفحم" وايام "الزربة " في المنزل بسبب انهمار الثلوج، كانت من أجمل الذكريات التي أحملها الى آخر أيام عمري. وبعد أن عدنا الى استراليا واستقرّينا هناك، ولم يعدْ لنا أيّ "مرقد عنزة " في بشري الحبيبة، ثابرتُ على زيارة لبنان تقريباً مرةً كل سنة، أسير في شوراع بلدتي كالطفل الولهان، أزور كل مدن لبنان مع كاميرتي الصغيرة، أتحدث الى الكبير والصغير لأكوّن روايات أترجمها بريشتي على اللوحات. 

     
    في أي سن اكتشفت موهبة الرسم عندك؟

     عندما كنت في السابعة من العمر، رسمت "ميكي ماوس" بطريقة أثارت انتباه عائلتي ومدرستي، لكني أكملت دراستي بشكل طبيعي مع رفاق صفي الى أن تخرجت من "الهاي سكول". لم أتوجه الى الجامعة مثل الباقين لأني توجهت الى معترك العمل لكي أساعد أهلي في مصروف العائلة، ولكي أبدأ ببناء مستقبلي عملياً.


      اين عملت في بداية حياتك؟

    توظفت في شركة متخصّصة في بناء لوحات موزاييك من الزجاج. وهناك بدأتْ موهبتي تبرز شيئا فشيئا. شجعوني على استلام أهم اللوحات الزجاجية حيث برزت مواهبي في تنسيق الألوان. في هذه الفترة، شاركت في مسابقة رسم وربحت الجائزة الأولى على صعيد كل أستراليا. نصحوني حينها بضرورة الدخول الى معهد "جوليان" للرسم ، وهو أهم معهد فني يمتاز بنوعية مدرسية وبأقساطه المرتفعة.
     
    ألا تدري أن ابن بلدتك جبران توجه أيضا لدراسة الرسم في معهد "جوليان" في باريس بعدما نصحه أساتذته بضرورة تعلم أصول الرسم... كم تتشابه الظروف.


     لم أكن أدري هذا، شكرا للمعلومة... درست لمدة ثلاث سنوات، كنت أذهب بعد ساعات العمل المرهقة الى المعهد لكي أتعلم أصول الرسم وقواعده. وما أكثر المرّات التي  كنت أهزأ فيها من لوحات رفاقي، وأشعر كما لو أني لست بحاجة الى هذه الدروس.


      متى بدأت ترسم بالشوكولا وكيف خطرت لك الفكرة؟

    عندما أصبحت في سنتي الثالثة في معهد الرسم "جوليان"، شعرت بضيق مالي وكان عليّ أن أدفع 5000 $ لتأمين رسم التسجيل. إتصلت بصديقة لي في استراليا علها تجد لي عملاً عند زوجها الذي يعمل كمدير فندق في سيدني. وكان لي ما أردت. توظفت في وقت سريع كخادم لزبائن الغرف. وفي يوم من الأيام ناداني شيف الأوتيل ليستعين بي لتزيين قالب حلوى كان قد أعده. وهنا اكتشفت بنفسي موهبة أخرى في تزيين المأكولات وصرت أرسم على قوالب الكاتو بسائل الشوكولا. وهنا خطرت لي فكرة أن أرسم لوحاتي بالشوكولا، ولكن مع خلطة سرية كي تحفظ لسنين طويلة وسميتها: خلطة سيد.
    في هذه الفترة، طلب مني أحد زبائن الأوتيل أن أرسم صورة له مع قداسة البابا يوحنا الثاني كان قد حظي بها يوم زار الفاتيكان، أعطاني 1000 دولار أسترالي كانت بمثابة ورقة يانصيب التي أفرحتني بشكل كبير.


      كيف وصلتَ الى نيويورك وما الذي دفعك الى الانتقال الى بلد لا تملك فيه حتى أوراق العمل؟

    عندما قررت الانتقال الى نيويورك عام 2003، واجهتني موجة من الانتقاد الساخر. فلم أسمع من أبناء الجالية اللبنانية في استراليا إلاّ: "شو رايح تعمل، شو مفكّر حالك جبران؟ شو بدك تعيش فقير متلو كل حياتك؟" لم أستسلم لهذه الانتقادات إيماناً مني بأن نيويورك وحدها هي مدينة الفن والثقافة والجمال، وسوف أجد من يدعم ويشجع لوحاتي وأفكاري خصوصا اني لم أبِع أي لوحة للبنانيين في استراليا.
    وصلت الى نيويورك حيث طبعا لم أجد الأبواب المفتوحة في البداية. جهدت وطرقت كل الأبواب حتى وصلت الى ما وصلت اليه.
     
    هات حدثنا...
    كتبتْ عني جميع الصحف الأميركية ووكالات الأنباء العالمية. وأصبحت أتهرب في اكثر الأوقات من الصحافيين مع أني أكنُّ لهم كل الاحترام، نظرا لوقتي الضيق. عُرضت لوحاتي في 35 دولة حول العالم. أشارك في أهم المعارض العالمية حيث أنال اعجاب النقاد الفنيين. يشتري مني لوحاتي التراثية اللبنانية أناس أميركيون وأوروبيون. وكوني أستراليا، ساعدني سفير استراليا في نيويورك بتسهيل وصولي لكبار  الصالونات الأميركية. تعذبت في البداية، وكنت أحمل لوحاتي على ظهري متنقلاً في شوراع نيويورك بدلَ أن أستقل سيارة تاكسي لأني لم أكن "مبحبح " كفاية لحين رزقني الله بأناس قدروا موهبتي.
     
    يرسم " سِيد" في شارع تاميز سكوير الشهير محاطاً بالناس وزوار الشارع العالمي، يذوّب الشوكولا مع خلطته السحرية ليدهن قوام صبية أميركية او شاب رشيق عريان وسط إعجاب المارة وتصفيقهم... فن جميل وغريب... أوَليس ابنَ بشرّي الجميلة؟؟


     
    لماذا لا ترسم إلا لوحات عن لبنان وعن تاريخ لبنان؟

    رسمت " بورتريه " لنجوم عالمييّن في السياسة والفن، ولكني نذرت نفسي لوطني الذي أتنفس هواءه حتى في أميركا. إنكِ لا تدرين ما هو الشعور الغريب الذي يسري في عروقي عندما أرسم تاريخ بلادي. وها أني أشرفت على الانتهاء من رسم جداريات تروي تاريخ لبنان منذ أيام الفينيقيين . رسمت أدونيس وعشتروت، أليسار ملكة قرطاج وغيرهم من رموز فينيقيا اللبنانية.  لوحاتي ليست للبيع، إنما لأعرضها في كل انحاء العالم كي يتعرفوا على عظمة لبنان. لا بد لي من أن أذكر أن إبن عمي حبيب الشدياق المغترب اللبناني في نيجيريا كان له الفضل الأكبر في تمويل مشروع رسم تاريخ لبنان. 
     
    يعشق " الشدياق " أغاني السيدة فيروز فرسم لوحة ترجم فيها كلمات أغنية "خدني ازرعني بأرض لبنان


     
    هل عرضت لوحاتك في لبنان ؟

    منذ سنوات خلت، سمح لي فندق فينيسيا بعرض لوحاتي في صالونات المدخل، لكن الحظ لم يحالفني اذ إن الحالة الأمنية لم تكن على ما يرام. فحزمت لوحاتي وعدت الى نيويورك دون أن أبيع لوحة واحدة،  غير أن هنالك مشروع قيد الدرس مع أبناء بلدتي بشري، وهو إقامة متحف لي بالتعاون مع لجنة جبران والبلدية لأعرض لوحاتي بشكل دائم ويكون مقصداً للسياحة الثقافية.
     
     
    هل أنت عاتب على أبناء بلدك الذين لم يشجعوك في بداية مشوارك الفني؟

    طبعا لا أعتب على الناس العاديين لأن الكبار في بلدي لم يشكروني ولم "يتكرموا عليي" بكلمة "يعطيك العافية." أرجو منك أن تنشريها على مسؤوليتي. لقد حصل معي امر حزّ في نفسي وتذكرت كلمة يسوع القائل: "لا كرامة لنبي في وطنه." كنت أتمنى أن يرسل لي الشيخ سعد الحريري رسالة تهنئة وشكر، ليس أكثر، على لوحة رسمته فيها وقدمتها له يوم زار نيويورك. لا، بل حصلتُ على لكمات من حرسه حتى أبتعد عنه لحظة تسليمي إليه اللوحة : "يللا، يللا، إمشي." وحادثة أخرى حصلت حين دعاني الرئيس سليمان شخصياً لزيارته في بعبدا عندما التقيته في الأمم المتحدة في نيويورك .عندها نظمت لي السفارة اللبنانية في واشنطن موعداً  لزيارته في لبنان لأقدم له لوحة عن لبنان. عندما وصلت الى القصر، استقبلني اثنان من مستشاريه ليسألوني عن عملي في نيويورك، وبكم أبيع اللوحة، "وشو معي مصاري." ثم أخذوا مني اللوحة وقالوا لي : "الرئيس مشغول، لا يستطيع أن يقابلك." أنا حزنت لأني أولاً كنت أرغب أن يعطيني رأيه بلوحاتي؛ وثانيا، أنا لم أكن آتيا لأخذ ثمن اللوحة. في لبنان يأخذون دائما فكرة خاطئة عن الفنانين. نحن لسنا شحاذين. نحن مغتربون نحمل لبنان في قلوبنا أكثر من المقيمين فيه، لأنهم لا يعرفون طعم الغربة ولوعة الابتعاد عن "هوا لبنان".

     



المزيد من الصور





  • كريستين معلوف ابي نجم تطمح ان تكون على لائحة امازون لأفضل مئة كتاب


      في مقابلة أجرتها المهاجر مع الشاعرة كريستين معلوف ابي نجم بخصوص كتابها الشعري الجديد باللغة الإنكليزية “The ache of healing”  الذي تجدونه حصريا لمدة تسعين يوماً على "أمازون كيندل"، تبين بانها ليست فقط سعيدة بإصدارها الأخير لكنها أيضا تطمح لأن يكون كتابها في الطليعة. قالت: في هذه الأيام ليس فقط مهما ان ... المزيد +
  • عيّاص: اذا أردتم أن تعرفوا معنى التعايش تعالوا الى أريزونا

    الدكتور جهاد عيّاص يتحدّث عن أبناء الطائفة الدرزية في ولاية أريزونا


     اذا أردتم أن تعرفوا ما معنى التعايش اللبناني، عليكم أن تأتوا الى أريزونا، وتشاركوا في لقاءات وبرامج المهرجان اللبناني – الأميركي الذي يقام سنوياً في باحة كنيسة مار يوسف في مدينة فينيكس". في المهرجان يجلس محمود الى جانب جورج وعلي يشرب النارجيلة مع قاسم والياس. انه ليس كلام مبالغ بل واقع ... المزيد +
  • وديارها للعزّ مفتوحة ...

    صيدا قاهرة التاريخ !


    تعتبر مدينة صيدا التي  تبعد عن العاصمة اللبنانية  بيروت 40 كلم بالاتجاه الجنوبي، من اكثر المدن اهمية وشهرة في العصور القديمة، ومنذ الألف الثاني قبل الميلاد لم يتبدل اسمها المشتق من الجذور السامية " صيد" الذي يعني " اصطاد " ، والذي يدل على سكان الشاطئ الفينيقي.   وللتاريخ ألف اسطورة وملحمة ...  بدأت تظهر صيدا ... المزيد +
  • لبنان، أرض المتألمين والمقهورين... من يكفكف دموعه من مالي الى صريفا وبيت شباب ؟؟؟

    ما حقيقة مقولة" نيّال مين لو مرقد عنزة في جبل لبنان"


     أهو القدر... ام صدفة الحياة ؟؟؟ اجتمعت المآسي في أسبوع واحد... قيّض لأواخر أيام شهر رمضان المبارك أن يكون شاهداً على دموع آلاف المواطنين العرب. وقيّض للبنان أن يشهد على هذه الدموع. من الموصل الى غزّة الى لبنان... الحزن واحد. لم يكف لبنان أن يكفّف دموع أبناء أشقائه العرب الهاربين اليه، طالبين سقفاً وزاوية ... المزيد +