حقيقة مدوية من بيروت

AL-MOHAJER ( THE EMIGRANT )

  



الإنتشار اللبناني







الرجوع





  • ضابط إيقاع الأغنيات الخالدة... "كم مسحنا دموع النوتات"


    2014-01-02

    ميشال مرهج بقلوق يُشعل "جرش" تصفيقاً من غمزات أصابعه على الدفّ



    من جسر "اللوزية" الى جسر "فيرازانو" الذي يقود الى منزله في نيويورك، خطواتٌ مغمَّسة بحنين التراب... على كتفِيه خمسٌ وثمانون سنة من نبضات الإيقاع الهارب الى حنجرة السيدة فيروز. "لمّا عالباب" تطرق جرسَه، تستوقفك صور المدخل مع عمالقة الفنّ اللبناني، فتصرخ في ذاتك "قدَّيش كان في ناس" " تتعب وتشقى" تا صار لبنان "أخضر حلو" وصار "بالمجد حكاية"... ميشال مرهج يستقبلك، تجلس بقربه، ولا تملّ من قول : "احكيلي، احكيلي عن بلدي احكيلي..."
     أتى من قبرص عام 1953 للالتحاق بفرع "إذاعة الشرق الأدنى" في بيروت حيث تعرّف ميشال مرهج بقلوق، المولود في القدس، الى كبار الفنّانين اللبنانيّين في بدايات العصر الذهبيّ للأغنية. أنيقٌ في الكلام... وثقةٌ في الأداء والرؤية الموسيقية جعلتْه ينجذب الى الأخوَين المبدعين عاصي ومنصور الرحباني في أُولى خطواتهما، فالتقى الثلاثة على درب صناعة الأغنية اللبنانية.
     فيروز كانت يومَها "صبيّة زغيرة"، كما يقول المايسترو، ذكية وخجولة، تغنّي في الكورال الرحباني، لكنها كانت المدلَّلة بين الجميع نظرًا لموهبتها الواعدة.
    مرّت الأيام القليلة، وتزوّج عاصي بفيروز، "وكنتُ أحدَ المدعوّين في ذلك العرس التاريخي حيث تزوّج الإبداع بالموهبة . رافقتُ الرحابنة منذ أوّل انتاجاتاهم،" يتابع مرهج. كان يسلّم مفاتيح الليل إلى النهار بعد أن ينهي مع الرحبانيَّين كتابة النوتات لمسرحياتهما. وكم من مرة كان ينام في منزل عاصي بعد انقضاء أكثر من نصف الليل الى أن... نادتهم أعمدة بعلبك.
     
    راجعون

    من نبض جذوره في القدس، كتب مرهج عام 1953 إيقاع نوتات أسطوانة "القدس في البال". عزف يافا وقرية بيسان، وأقسم "راجعون"... لكنّ رياحَ القدر حملته الى القارة الأميركية بدلَ العيش في بلدته ضهور الشوير.
      

     عالبعلبكية

    عام 1956، دعا الرئيس كميل شمعون الأخوين رحباني الى إحياء برامجَ فنية في هياكل بعلبكّ، فوقع الإختيار على عدد من الفنانين الكبار أمثال توفيق الباشا ، فليمون وهبة، زكي ناصيف فضلاً عن الأخوين رحباني ليؤلفوا برنامجًا فنيًّا متكاملاً لليالي بعلبك. كانت التمارين تُقام في الأونيسكو يوميًّا حتى ساعات الفجر مع الفرقة الفولكلورية بقيادة وديعة ومروان جرار.
    وفاضت "أنوار " ليالي بعلبك... ويروح مرهج يروي لحظة اعتلاء السيدة فيروز أعلى مدرج في بعلبك صارخة "لبنان يا أخضر حلو". حينذاك انطفأَتْ كلُّ الأنوار ليشرق النور من فستانها الأزرق الطويل.
    إشتعلتْ بعلبكّ رقصًا وفرحًا... "تْسكَّرت الطريق بين زحلة وبعلبكّ،" هكذا يصف ميشال مرهج ليالي المهرجانات. وكأنّ لبنان بات في عرس لم يستفقْ منه إلاّ مع أوّل شرارةٍ للحرب اللبنانية المشؤومة.
    كان مرهج التوأم الروحيَّ الموسيقيَّ للأخوَين رحباني. كان ضابطًا لإيقاع الأغاني الفيروزية، كما أغاني الكبار أمثال الراحل الكبير وديع الصافي وسيدة "الأُووف" اللبنانية الفنّانة صباح. تمكّن مرهج، بفضل نزاهته وصدقه، من أَن يكسب، لا ثقةَ الرحبانيَّين موسيقيًّا فقط، بل إداريًّا أيضًا. فكان هو مَن يدفع رواتب الموسيقيِّين عند الفراغ من كل حفلة؛ وكان أجرُ الموسيقيِّ، في ذلك الوقت، خمسين ليرة لبنانية لليلة الواحدة.
      
    في البرازيل والأرجنتين.. فولكلور من وزن الأحجار الكريمة

    عام1961، حزم الرحبانيَّان أمتعتهما الموسيقيّة وانطلقا في طيّارةٍ خاصة قاصدين البرازيل. فيروز في المقدمة مع عدد هائل من الموسيقيّين والفنيِّين، الخيّاطين ، مسرِّحي الشَّعْر ومستشارين كبار في الفن والأخراج. عرسٌ فنّي كان بانتظاره جميعُ المتحدِّرين من أصلٍ لبناني، والمشتاقين الى سماع أغاني وطنهم الأمّ. يضيف مرهج أنّ الدولةَ البرازيلية كانت في استقبالهم حتّى لَخالجَهم الشعور بأنهم ملوكٌ مكرَّمونّ غنّت فيروز يومها في 12 حفلة متتالية وصفَها ضابطُ الإيقاع بأنها "كسَّرت الدنيي"، لا من دعسات الدبكات الفولكلورية فقط، بل من جرَّاء تفاعل المغتربين اللبنانيين مع الأغاني اللبنانية.


     
    دموع الحناجر

    يقول مرهج إنَّ حفلاتِ السيدة فيروز كانت مزيجًا من عرس الموسيقى الفولكلورية والفرح. لكنّها لم تخلُ من غصَّاتٍ ودموع ، لأنّ السيدة فيروز لم تُنشد الأغاني التي كُتبت للمناسبات إلاَّ بإحساسٍ عميق وبتفاعل مع أداء الموسيقيّين. أوليس اسمها الأغاني الخالدة؟
    في الجزائر، بكتْ لمَّا غنّت "سألوني الناس عنك يا حبيبي" للمبدع زياد الرحباني، وذلك يومَ كان عاصي طريحَ الفراش يعاني مرضًا راح يفتك بدماغه المبدع.
    وفي معرض دمشق الدوليّ عام 1976، بُعَيد اندلاع الحرب اللبنانية، غنّت فيروز "بحبّك يا لبنان" وسطَ تصفيق الجمهور الذي لم يتوقَّفْ إلاَّ مع انهمار دموع السيدة العظيمة لحظةَ اعتلاء طفلة الـ12 ربيعًا إلى المسرح مقدِّمةً باقةَ الورد لها وسائلةً ايّاها: "أَيمتى رحْ نرجع عَ لبنان؟"
     
     
    في الأمم المتحدة

    سافر قائد الأوركسترا الأميركيُّ الى لبنان لتحضير حفلةِ السيدة فيروز التي ستُقام في الأُمم المتحدة عام 1981 بتنظيمٍ من مندوب لبنانَ الدائم آنذاك، السفير غسان تويني. ويروي ميشال مرهج تفاصيل تلك المرحلة التحضيريّة الدقيقة التي رافقت تلك الفترة، إذ كان الابن زياد يحرَص على نجاح الحفلة الأممية التي سوف يحضرُها آلافٌ من كبار الزعماء والقادة السياسيّين والدبلوماسيّين. نصح زياد قائد الأُوركسترا بضرورة التعاون مع مرهج نظرًا لخبرته ودقّته ولثقة الأخوَين رحباني بصوابيّة توجيهاته الموسيقيّة. وهكذا كان. في الأُمم المتحدة غنّت فيروز القدس، والموشَّحاتِ الأندلسية الرائعة، و"سألوني شو صاير ببلد العيد"، علَّ الأممَ تسمع أوجاعَ لبنان من حنجرتها الصادقة... لكنَّ الأُمم أَصمَّتْ آذانَها، وما تزال!
     
    أستاذ في الكونسرفاتوار الوطنيّ لمدة ستٍّ وعشرين سنة

    مع المطرب فريد الأطرش عمل مرهج لمدة سبع سنوات في أوائل السبعينيَّات. شارك في أفلامٍ سينمائيَّة كعازف. يَذكرُ منها فيلم " الحبّ الكبير " مع الفنّانة فاتن حمامة. ومع المطرب محمّد عبد الوهاب شاركَ مرهج عازفًا في كلّ المقطوعات التي غنّتها السيدة فيروز. ويضيفُ مستذكِرًا أُولى مشاركاته الموسيقيّة مع السيّدة أمّ كلثوم، يومَ عزف على آلة المزهر في أغنية " نهج البُردة".
    عزف مرهج مع فليمون وزكي، صباح ووديع، سلوى القطريب وإيلي شويري، نصري شمس الدين والفنّان حليم الرومي الذي كان له الفضلُ الأول على دخول ميشال مرهج الحقل الفنّي... وما زالتْ نقراتُ أصابعه يتردّد صداها في منازلنا كلَّ صباحٍ، ومع كلّ أغنيةٍ لفيروز العظيمة.
    أُصيب هو وزوجته السيدة لورا وابنه طوني برصاص القنص في أثناء اشتداد الحرب اللبنانية، حتّى لَكاد يُودي بحياة العائلة. فما كان من الفنّان المرهَف إلاَّ أن اختار الولايات المتّحدة وجهةَ سيرٍ ولجوءٍ مؤقَّت بانتظار أن تهدأَ النفوس ويعودَ كلُّ طائرٍ الى وطنه.

     

    حزم حقائبَ السفر وذكرياتِ 26 سنة تدريس في الإيقاع الموسيقيِّ في الكونسرفاتوار الوطنيّ، وانتقل إلى نيويورك غيرَ منقطِعٍ عن مغازلة آلة الرقّ التي طبعت حياته وحياة الموسيقى اللبنانية.
    ما زال "المرهج " الذي يعيشُ في ذكريات الزمن الجميل ينتظرُ هدوءِ العاصفة حتّى يعودَ الى الوطن حاملاً في نفسه غُصَّةً لن تمحوَها رياحُ الغربة الآمنة، وعلى شفتَيه سؤالٌ مَرير: "أميركا كرَّمتني، وبلبنان ما حدا بيعرفني."

     

    ميشال مرهج يحكي ذكرياته

    http://www.youtube.com/watch?v=8t6hoQPea3Q

     

     



المزيد من الصور





  • مسعود النشبي من بشري هو أول لبناني وصل الى استراليا عام 1854

    اللبنانيون في استراليا.. حكاية مغامرة الى البعيد البعيد


    شبان وشابات لبنانييون يرقصون الدبكة الفلكلورية في إحدى حفلات الجالية في سيدني ارتبطت هجرة اللبنانيين بالظروف الصعبة التي لطالما كانت وما تزال سمة مستمرة. وقد كان لها ثلاث محطات اساسية. أولى في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتحديدا إبان الحرب العالمية الأولى وثانية في الأربعينيات، بالتزامن مع الحرب الثانية، ... المزيد +
  • مهلاً .. انه السفير الفذّ خليل محمد


    تداولت شبكات التواصل الإجتماعي في لبنان فيديو يصوّر سفير لبنان في أبيدجان خليل محمد، عندما كان يلقي كلمة امام الحاضرين الإيفواريين واللبنانيين بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لاستقلال لبنان. ويظهر شريط الفيديو المجتزء لقطة من كلمة السفير باللغة الفرنسية وهي التي أراد بها السفير  تحية للشعب الإيفواري بلغته، محاولاً جهده أن ... المزيد +
  • أول علم لبناني... صنع في البرازيل عام 1913


    أدرك لبنانيو المتصرفية، منذ عهد مظفر باشا، أن العلم رمز للوطن. فقد كتب، عهدئذ، شاهين الخازن يقول: " لا شيئ يؤخر حكومة لبنان عن أن تعمل خريطة للبنان تشير الى حدوده... وتقيم فواصل ومخافر على تلك الحدود تعلوها الراية العثمانية وعليها غصن أرز تمييزاً لها وإقراراً بنِعم الدولة العلية وبالإمتياز ... المزيد +
  • ضلت سفينة مارسيليا طريقها فرمت المهاجرين اللبنانيين في بورتو برنس في هايتي

    ثلاثون مارونياً افتتحوا الهجرة اللبنانية في هايتي في أيلول 1890


    " انتم اللبنانيون... انتم برجوازيون ، أنتم أحلى ناس ! " هكذا فتحت صديقتي ماريز الفرنسية وأصلها من هايتي حشريتي لأن أهاجر هذه المرة الى هايتي، إحدى بلدان البحر الكاريبي. ولم تكن مفاخرة ماريز بتعرفها على اللبنانيين عن عبث، لأن اللبنانيون في هايتي يعدّون من كبار القوم ومن رواد الإقتصاد في البلاد، ... المزيد +